BRBRNET

جديد الأخبار
جديد المكتبات
جديد الملفات
جديد الصور

الصحف السودانية
الأهرام اليومالصحافةالوطن أخبار اليومالأيامأخر لحظة الرأي العامالإنتباهةقوونالصدى
 

جديد الصور

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

المكتبات
مكتبة د. عبد الوهاب الأفندي
أبعاد الإفلاس والانهيار الأخلاقي في السياسة
أبعاد الإفلاس والانهيار الأخلاقي في السياسة
10-08-2011 02:25 PM

بينما تواجه دول عديدة في العالم، مثل اليونان وأيرلندا، خطر الإفلاس المالي، فإن هناك أضراب أخرى من الإفلاس، أخطرها الإفلاس الأخلاقي. وإذا كانت معالجة الإفلاس المالي متيسرة نوعاً ما، فإن الإفلاس الأخلاقي داء يستعصي على الدواء. وتكون المشكلة أكبر حين يواجه بلد واحد الخطرين، فيخشى عليه من الانهيار الاقتصادي في ظل إفلاس أخلاقي ضرب النخبة، كما نخشى على السودان هذه الأيام.

وحينما نتحدث عن الإفلاس الأخلاقي فنحن نشير إلى حالة محددة، تسود فيها المفارقة شبه التامة بين القيم التي تدعو إليها القوى السياسية وبين ممارساتها الفعلية. وعليه فإن هذه الظاهرة لا تقتصر على فئة سياسية دون غيرها، فهي تتجلى حين نشاهد قوى يسارية تؤيد سياسات الرأسمالية المستغلة وتوالي الامبريالية، أو قوى ليبرالية تماليء الدكتاتورية وتتمترس وراء الطغيان، وقوى إسلامية تمارس كل أنواع المنكرات وتدعو لها.

وليست أزمة الأخلاق في السياسية السودانية بمستجدة، بل لها جذور عميقة في التاريخ المعاصر، خاصة لجهة ممالأة بعض القوى التقليدية والدينية للاستعمار. ومثلما كانت الظاهرة قديمة فإن الثورة عليها كانت قديمة أيضاً. فقد اشتهر في مطلع العشرينات بيت شعر في ذم علماء الدين المتواطئين مع الاستعمار البريطاني كان يقول:

ألا ليت اللحى كانت حشيشاً/ فتعلفها خيول الإنجليز

وفي عام 1921 تناول الشاعر الشاب (وقتها) عبدالله محمد عمر البنا في رائعته التي ألقاها في احتفال المولد النبوي الشريف بنادي الخريجين، التي كان مطلعها:

يا ذا الهلال عن الدنيا أو الدين/ حدث فإن حديثاً منك يشفيني

وجاء فيها:
والناس في القطر أشياء ملفقة/ وإن تكشف فعن ضعف وتوهين
فمن غني فقير في مروءته/ ومن قوي بضعف النفس مرهون
ومن طليق حبيس الرأي منقبض/ فاعجب لمنطلق في الارض مسجون
وآخر هو طوع البطن يبرز في / زي الملوك وأخلاق البراذين
وهيكل تبعته الناس عن سرف/ كالسامري بلا عقل ولا دين
يحتال بالدين بالدنيا ليجمعها/ سحتاً وتورده في قاع سجين

وقد اعتبرت بعض القيادات الدينية وقتها هذه الأبيات هجاءً مباشراً لها، فشكت الشاعر الشاب للسلطات الاستعمارية، ولكن المسؤول البريطاني رفض الشكوى لأن الشاعر كما قال لم يسم أحداً بعينه. ولكن يبدو أن المعنيين فهموا الرسالة التي لم تكن خافية، فهم كانوا أعلم بأنهم يقولون ما لا يفعلون.

وفي الثلاثينات عاود بعض المثقفين طرح القضية، حيث جاء في أبيات نسبت للشاعر علي نور، أحد أبرز شعراء الحركة الوطنية:

كل امريء يحتل في السودان غير مكانه
المال عند بخيله والسيف عند جبانه

وإذا كانت الشكوى قديمة فإن المرض تفاقم وأصبح مزمناً، بدءاً من انهيار الحركة الوطنية التي مثلها في أول الأمر مؤتمر الخريجين الذي انعقد في عام 1938، ولكنها سرعان ما وقعت ضحية الاستقطاب الطائفي بعد صراعات ذات طابع شخصي بين أقطابها. ومنذ ذلك الوقت أصبحت المكيافيلية هي طابع السياسة السودانية، بحيث لم يعد هناك أي رابط بين الأسس الأخلاقية والعقائدية للقوى السياسية وتحالفاتها وممارساتها. ورغم أن هذا الانفصام بين القول والفعل كان يبلغ درجة عالية من السريالية في العهود الدكتاتورية، فإن العهود المسماة ديمقراطية لم تنج منه، بل إنه بدأ فيها، حتى قبل الاستقلال. فالحزب الوطني الاتحادي الذي كسب انتخابات عام 1953 تحت شعار الوحدة مع مصر، عاد فأيد الاستقلال، وتعرض بذلك لانشقاق من الجناح الداعم للوحدة، وتم تشكيل حزب جديد تحت رعاية قيادة الطائفة الختمية. ولكن ذلك الحزب تحالف مع حزب الأمة المعارض الرافض تماماً لفكرة الوحدة وشكل معه حكومة جديدة لم تلبث بدورها أن سلمت الحكم للجيش في عام 1958 لقفل الطريق على حكومة جديدة تدعمها مصر.

أيد قادة الطوائف الدينية الانقلاب الذي وقع على أحزابهم (!)، ووالت بعض تلك الأحزاب النظام الجديد، ثم عاد بعضها لقيادة المعارضة ضد النظام العسكري. وشهدت كل الأحزاب انشقاقات وإعادة دمج، ثم صراعات استعصى فهمها على العقلاء وغيرهم. وفي عهد النميري الذي انقلب على الديمقراطية تناوبت القوى السياسية دعم نظامه الدكتاتوري والانتفاع به. نفس البانوراما شهدها العهد الحالي.

ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل إن القوى المعارضة تحالفت كذلك مع قوى خارجية ذات سجل غير مشرف في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان. فعلى سبيل المثال كانت معظم القوى السياسية المعارضة تتخذ من العاصمة الاريترية مقراً لها في تعاون وثيق مع مخابرات ذلك البلد. المضحك المبكي أن تلك القوى كانت تطلق التصريحات النارية ضد دكتاتورية نظام الخرطوم من تلك العاصمة، وتنتقد ممارساته ضد الحريات السياسية وحرية الإعلام في بلد يحكمه حزب واحد مسلح وفيه صحيفة واحدة. نفس العلاقات غير الصحية ربطت القوى السياسية بمخابرات الأنظمة في مصر وبعض الدول الخليجية التي يعتبر السودان بالنسبة لها بمثابة سويسرا في مجال الحريات السياسية. ولعل ما يزيد الأمر سوءاً هو أن العلاقة مع هذه الأنظمة، خاصة النظام الاريتري، فرض على هذه القوى السياسية صمت القبور تجاه تجاوزاتها في حق شعوبها، فلم ينبس مفكرو المعارضة وكتابها، ناهيك عن سياسييها، بمجرد همسة تضامن مع الشعوب المنكوبة بتلك الأنظمة، حتى بعد أن غادروا تلك العواصم. بل إن الحزب الشيوعي لم يتبرأ حتى اليوم من الممارسات الستالينية، كما أن حزب البعث العربي في السودان لم يتبرأ كله من كبائر قادته السابقين في بغداد.

وهذه مواقف يقدح في صدقية أي جهة تدعي أنها قوة ديمقراطية. ولم يقتصر الأمر على السكوت عن إجرام الحلفاء، بل تعدى الأمر إلى ارتكاب الأجنحة المسلحة للمعارضة لانتهاكات واسعة وممنهجة لحقوق الإنسان، شملت الاعتقال التعسفي والتعذيب والقتل والنهب المسلح، وما خفي أعظم.

وقد تعمقت الأزمة مع قيام نظام الإنقاذ الذي عقد الإشكاليات على أكثر من مستوى، بدءاً من استخدام التدليس حول هوية النظام الجديد، مروراً بالتنكر لتلك الهوية المفترضة فيما بعد. فالنظام أنكر في أول أمره أي علاقة له بالإسلاميين، وهو إنكار افتقد الصدقية منذ البداية، وعندما أخذه يجاهر بهويته الإسلامية ويفاخر بها، تنكر لها هذه المرة بالفعل بدل القول، حيث يواجه اتهامات الفساد والممارسات اللاأخلاقية، وأيضاً التحالفات المشبوهة، وهو أمر كان واضحاً حتى قبل شواهد ويكيليكس الأخيرة.

التأثير السلبي لهذه "المكيافيلية الإسلامية" له آثار بعيدة المدى، لأنه يخلق أزمة ضمير تشبه تلك التي سببتها للنخبة السودانية ممالأة القيادات الدينية للاستعمار في النصف الاول من القرن الماضي، وتخلط الأوراق حينما تلبس الحق بالباطل، وتختطف "الإسلام" لصالح أوضاع لا تعبر عنه. وإذا لم يكن هذا كافياً، فإن النظام ساهم في تعميق أزمة القوى السياسية الأخرى المزمنة عبر تشجيع الانشقاقات في الأحزاب، ودعم التيارات الأكثر مكيافيلية فيها.

ربما تعود جذور هذا الوضع من جهة لميل النخبة السودانية نحو الخيارات السهلة وعدم قدرتها على الصبر والمثابرة. وهذا بدوره يعود لمؤثرين، خارجي وداخلي. أما المؤثر الخارجي فيعود لطبيعة العهد الاستعماري المزدوجة (حيث كان في ظاهره حكماً "ثنائياً" بين مصر وبريطانيا)، إضافة إلى أنه لم يكن مبالغاً في التعسف، بل يلجأ إلى تحالفات داخلية. وهذا بدوره أثر على طبيعة النضال ضد الاستعمار، حيث كان قصيراً وسهلاً بالمقارنة مع النضال في بلدان آخرى، فجاء الاستقلال قبل أن تنضج الحركة الوطنية بما يكفي.

داخلياً فإن الطبيعة التصالحية للمجتمع السوداني التي تفضل التسويات والمساومات على الحسم والمواجهة، سهلت على أطراف النخبة الانتقال من معسكر إلى آخر، ثم العودة، بدون دفع ثمن كبير. ولا يعني هذا أن الإشكال هو في طبيعة السودانيين التصالحية، لأن هذه فضيلة لا ينبغي التفريط فيها، فوق أنها من أخص مكونات الهوية السودانية. وقد أدت محاولات سابقة ذات طابع أيديولوجي للالتفاف على هذه الفضيلة إلى كوارث مأساوية، كما حدث في المجازر التي ارتكبها نظام النميري (وحلفاؤه المنشقون عنه) في حقبته اليسارية من مجازر مفجعة في الجزيرة أبا وأم درمان (1970) وقصر الضيافة بالخرطوم (1971)، وما شهده العهد الحالي من تجاوزات أثارت بدورها الاستنكار من قطاعات واسعة من الرأي العام.

ولكن التمسك بالسماحة السودانية لا يمكن أن يكون مبرراً للالتباس والتهاون الأخلاقي، والانخراط في جوقة الفساد، بل بالعكس، يجب أن يكون معيناً للصلابة الأخلاقية. فالثمن الذي يدفعه المتمسك بالموقف الأخلاقي الملتزم لم يكن قط كبيراً، حتى في أحلك الظروف. أما قيادات المعارضة التي تهرول باتجاه الانظمة الدكتاتورية، أو تلجأ إلى الممارسات غير السليمة، فإنها تفعل ذلك من أجل المكاسب العاجلة أكثر منها تحت ضغوط عسف الأنظمة.

القادة السياسيون ليسوا إذن مطالبين في السودان بأن يتحولوا إلى ملائكة أو مشاريع شهادة، بل التمسك بالحد الأدنى من الانسجام المبدئي، من أجل إعطاء القدوة للشباب وخلق نقطة تلاقي حول القيم المشتركة التي توحد الجماهير حول أهدافها. صحيح إن السياسة ليست بالضرورة الساحة المعتادة للسمو الأخلاقي، ولكن تسميتها "فن الممكن" قد يوحي باعتبارها حكراً على من يتبنى المكيافيلية. وهذا غير صحيح أيضاً. فالمساومات في السياسة، والمرونة المطلوبة فيها، تتعلق بالمطالب والمصالح، ولا يجب أن تشمل المساومة على القيم الأساسية التي لا تقوم الحياة بدونها، وأدناها الصدق مع النفس والخلق، واحترام كرامة الإنسان وحقوقه وحرياته التي بدونها لا يبقى إنساناً.

في المجتمعات المستقرة تكون المطالب الأخلاقية المفروضة على السياسي متواضعة، مثل الالتزام بقدر معقول من الصدق والنزاهة وأداء الواجب. أما في المجتمعات التي تواجه أزمات كبرى تكون القيادات السياسية مطالبة بمواقف واضحة وتضحيات جسام وؤية خلاقة للمستقبل، على نهج غاندي ومارتن لوثر كينغ ومانديلا وفاسلاف هافيل، وغيرهم من قيادات ضربت المثل في الثبات على المبادئ واختطاط الطريق المؤدي إلى الغايات بوضوح وتجرد.

المطلوب من الساسة السودانيين أقل بكثير من ذلك. فهم ليسوا مطالبين بأن يكونوا قديسين، بل فقط ألا يتحولوا إلى مجرمين. المطلوب ألا يهرولوا باتجاه المكاسب الشخصية والحزبية على أساس المبادئ، وأن يضعوا رؤية واضحة للتغيير، وأن يثبتوا عليها، ويلتزموا بما ألزموا به أنفسهم من مبادئ حتى يعطوا الناس فرصة للالتفاف حولهم. وقبل كل ذلك وبعده، لا بد أن تمارس النخب القدر الكافي من النقد الذاتي، وأن تصلح أوضاعها وتطهر صفوفها وتشيع الديمقراطية داخل أحزابها. وهذا يستدعي قيام حركات إصلاحية حقيقية داخل الأحزاب الكبرى، وليس من نوع تلك الأحزاب التي استبدلت الخنوع للقيادات الطائفية بالذيلية لاسبتداد الإنقاذ، والتبعية للمؤتمر الوطني (وهو بدوره يفتقد مقومات التنظيم السياسي الحقيقي). فمن يرتضي التبعية داخل حزبه، ويتحول فقط من "سيد" إلى آخر، لا يمكن أن يرجى منه دعم النضال الديمقراطي ودفع ثمنه.

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 794


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


د. عبد الوهاب الأفندي
د. عبد الوهاب الأفندي

تقييم
1.00/10 (1 صوت)

Preview on Feedage: -%D8%B4%D8%A8%D9%83%D8%A9-%D8%A8%D8%B1%D8%A8%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%83%D8%AA%D8%A8%D8%A7%D8%AA- Add to My Yahoo! Add to Google! Add to AOL! Add to MSN
Subscribe in NewsGator Online Add to Netvibes Subscribe in Pakeflakes Subscribe in Bloglines Add to Alesti RSS Reader
Add to Feedage.com Groups Add to Windows Live iPing-it Add to Feedage RSS Alerts Add To Fwicki
Add to Spoken to You

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Free counter and web stats

brbrnet.net