BRBRNET

جديد الأخبار
جديد المكتبات
جديد الملفات
جديد الصور

الصحف السودانية
الأهرام اليومالصحافةالوطن أخبار اليومالأيامأخر لحظة الرأي العامالإنتباهةقوونالصدى
 

جديد الصور

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

المكتبات
مكتبة د. عبد الوهاب الأفندي
بعد فضائح ويكيليكس وإدمان الفشل أما آن أوان المساءلة في السودان
بعد فضائح ويكيليكس وإدمان الفشل أما آن أوان المساءلة في السودان
09-17-2011 10:15 AM

ربما تكون تسريبات ويكيليكس الأخيرة عن عرض سوداني لإقامة علاقات مع إسرائيل في محاولة لكسب ود الولايات المتحدة ونيل رضاها هي القشة التي تقصم ظهر بعير الصبر على سياسات الحكومة السودانية الحالية، بعد أن ظلت تتأرجح طوال عهدها من فشل إلى فشل، مع توجيه اللوم دائماً إلى الغير. فكل كارثة تنسب إلى مؤامرات الامبريالية، أو إلى "خيانة" المعارضة المتواطئة معها، دون تحمل أدنى مسؤولية عن الفشل في التصدي لهذه المؤامرات، حتى إذا قبلنا بحقيقتها. أما وقد ظهر أن النظام كان يلح في خطب ود الامبريالية، بل ويغازل الصهيونية التي يسبها علناً، فإن الأمر يتجاوز كل حد.
وبداية لا بد من التأكيد بأن أي دعوى بأن هذه التسريبات غير صحيحة، أو أن هذه مبادرة معزولة وفردية لا تمثل توجه النظام، لا تستند إلى حجة يعتد بها. فهذه وثائق داخلية تتعلق بالإدارة الأمريكية، ويمكن عليه أن نجزم بدقة محتوياتها، لأن الدبلوماسيين الغربيين عموماً مطالبين بالدقة في التقارير التي يرفعونها، وهم عرضة للمحاسبة إذا خالفوا ذلك. من جهة أخرى فإن هذه التسريبات لم تأت من الحكومة الأمريكية ولا برضاها. والكل يعرف إلى أي مدى ذهبت الإدارة في مقاومة نشر هذه الوثائق، وذلك لدرجة تهديد جوليان أسانج، صاحب ويكيليكس، بالمحاكمة. وقد تعرض الجندي الأمريكي المتهم بتسريب هذه الوثائق لمعاملة تقترب كثيراً من معاملة أسرى غوانتنامو.
من جهة أخرى، فإن هذا التسريب ينسجم مع توجهات الحكومة المعلنة والمعروفة. فالوزير السابق المتورط في هذه القضية، قد افتخر أكثر من مرة بتهافته على كسب ود الإدارة الأمريكية، إلى درجة أنه تحدى البروتوكول ليتوسل إلى الرئيس الأسبق بيل كلنتون ويسترحمه ليتعطف على حكومته بالتفاتة. نفس الوزير افتخر في تصريحات إعلامية بأن السودان أصبح عيون وآذان وكالة الاستخبارات الأمريكية في المنطقة. وقبل ذلك افتخر مدير المخابرات الأسبق بالتعاون الوثيق بين مخابرات البلدين، وليس بعد التعاون المخابراتي تقارب. وما خفي وعلم به أهل الشأن أعظم.
ما يؤسفنا في هذا المقام هو أننا كتبنا هنا مراراً ننتقد حكومة جنوب السودان وبعض قوى المعارضة لتهافتها وهرولتها باتجاه إسرائيل، رغم أن هذه الجهات لها مظالم قد تبرر استعانتها بالخارج، حتى وإن كان المستعان به ظالماً لغيره. وقد كان استنكارنا أكبر للأنظمة القمعية، عربية كانت أوافريقية، التي مالأت إسرائيل على ظلمها، وذلك بهدف أن تمالئها إسرائيل على ظلمها في المقابل. فإذا كنا لا نرى عذراً لمن يستعين بالظالم وهو مظلوم، فإن من يستعين بظالم وهو منه أظلم أجدر بألا يعذر. هذا مع التذكير بأن من ظن من الظالمين أن الاستجارة بالمجرمين تنجيهم من قدر الله كان واهماً، كما يشهد بذلك مصير أنظمة مثل نظام موبوتو في زائير ومنغستو في اثيوبيا، وما نظاما حسني مبارك في مصر وزين العابدين بن علي في تونس منا ببعيدين. ولعل آية الآيات في ذلك مصير الرئيس السوداني الأسبق جعفر النميري، الذي لم يتمكن من إكمال مهمة نقل يهود الفلاشا عبر أراضيه إلى إسرائيل بعد أن ندب نفسه لها، فانهار النظام قبل أن يوفي بتعهداته لبني صهيون. ولعل المفارقة الأكبر هي أن النظام تهاوى ورئيسه ضيف على صديقه رونالد ريغان في البيت الأبيض، فلم يعصمه ذلك من أمر الله، فباء بإثم التواطؤ في الإجرام دون أن يجني الفائدة المرجوة، بما في ذلك حفنة الدولارات التي لم يتمكن من تسلمها بعد أن نكث أصدقاؤه الإسرائيليون بما وعدوا.
نحن هنا إذن أمام خلل عميق في الرؤية، يتجاوز الانحراف الجزئي والانزلاق في الشبهات، وحتى التناقض البين بين الأقوال والأفعال، خاصة حين يتم النظر إليها في الإطار الأوسع. فحين يضطر نظام يرفع راية التوجه الإسلامي، ويفخر بمقارعة الاستعمار والاستكبار، ويجيش الناس للجهاد، إلى توسل رضا أمريكا ويعرض الخضوع للإملاءات الإسرائيلية لينقذ نفسه من الانهيار، فنحن أمام أزمة سياسية كبرى، وأزمة أخلاقية أعمق. وهذا منزلق مرت به كل الأنظمة الاستبدادية في المنطقة، بدءاً من الجمهورية المصرية التي رفعت رايات النضال ضد الاستعمار الجديد في كل أنحاء العالم، ثم انتهى بها الأمر إمارة ملحقة بإسرائيل، وانتهاءً بالنظام السوري الذي ادعى قيادة الممانعة، وانتهى به الأمر وهو يساوم إسرائيل علناً على بقائه. وبين هذا وذاك شهدنا تعاون إيران السري مع إسرائيل أيام فضيحة الكونترا، وتنافس العراق معها على كسب ود الصهاينة بدعوى التصدي للخطر الإيراني، وفضائح ليبيا القذافي المعروفة، بما في ذلك دفع الجزية عن لوكربي وتسليم السلاح.
من هذه التجارب تبدو بوضوح معالم المعادلة التي تحكم هذا المنزلق، بدءاً من ظهور نظام أو حركة ترفع راية مقارعة الهيمنة الأجنبية، وتقود ثورة على أوضاع الداخل، متهمة القيادات السابقة بممالأة الاستعمار والتفريط في السيادة. في السابق أمكن لهذه الأنظمة أن تشن الحرب على جبهتين: حرب على القوى السياسية الفاعلة في الداخل وحرب أخرى على قوى الهيمنة بسبب اعتمادها على طرف ثالث، وهو المعسكر الشرقي، مما كان يعني الاستجارة من رمضاء استعمار بنار آخر. ولكن حتى هذا الخيار لم يعد متاحاً بعد انهيارالاتحاد السوفيتي، فلم يعد هناك مناص للأنظمة التي اختارت الاستمرار في شن الحرب على شعوبها (وعلى جيرانها أيضاً، مثل العراق وسوريا) من الامتثال للهيمنة الغربية، ففعلت بحماس متفاوت.
ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن العرب قد ساهموا بنصيب لا بأس به في انهيار الاتحاد السوفيتي، بعد أن أصبحت الأنظمة "الصديقة" الفاشلة عبئاً عليه، ولأن خرقها ضاعف من عيوب الأسلحة والمعدات السوفيتية وتخلفه التقني. وإذا لم يكن هذا كافياً، فإن عدة أنظمة عربية، وعلى رأسها مصر والصومال والسودان، انقلبت على الاتحاد السوفيتي وانحازت إلى المعسكر الغربي، مما وجه ضربات سياسية ومعنوية كبرى للمعسكر الشرقي في نفس الفترة التي كان يحتفل فيها بانتصاراته في الهند الصينية وافريقيا. وإذا لم يكن هذا كافياً، فإن الأنظمة العربية ساهمت مساهمة مباشرة في حرب أفغانستان التي وجهت ما يقرب من الضربة القاصمة لحليفها الأسبق، وسهل انفراد أمريكا بالعالم كقطب أوحد.
ولكن هذا مبحث آخر. ما يهمنا هنا هو أن رفع الأنظمة لشعارات استقلال القرار في وقت تشن فيه الحرب على شعوبها لا محل له من الإعراب. ولعل أكثر الحالات مدعاة للسخرية هو ما نسمعه هذه الأيام من ترهات أنصار النظام السوري حين يعترضون على مبادرات تركيا أو الجامعة العربية لإنقاذ النظام بحجة أنها تدخل في الشأن السوري الداخلي، مرددين أن الشعب السوري وحده له الحق في تغيير نظامه. هذا في الوقت الذي أعلن فيه الشعب السوري، عن بكرة أبيه، وفي وضوح لا يقبل التأويل، أنه لا يريد نظام الأسد، ولايريد حتى التفاوض معه على ذهابه. ومع ذلك يحتج النظام السوري الساقط على نصائح الخارج بإعادة رفع شعارات مقاومة التدخل الأجنبي باسم إرادة الشعب الذي يعرف النظام قبل غيره أنه لا يريده.
مشكلة النظام السوداني أعمق لأنه حج والناس راجعة، حين أقام نظاماً دكتاتوياً معادياً للغرب في عام سقوط جدار نظام برلين، بينما تعود جذور الأنظمة الأخرى إلى الخمسينات والستينات حين لم تكن الانظمة الدكتاتورية نشازاً. وهو أيضاً رفع شعارات الأسلمة والعروبة في بلد كان يشهد سلفاً ثورة ضد ما كان البعض يرى أنه فرض للهوية العربية، وفي بلد فقير كان يعتمد بقوة على المعونات الأجنبية، خاصة من الغرب. وبالتالي كانت خياراته ولا تزال أضيق من ضيقة.
وكان المأمول أن يقوم النظام بمراجعة سياساته بعد التجارب المريرة، خاصة في ظل الفرصة التي أتاحتها اتفاقية السلام الشامل التي حازت برضا كل القوى السياسية في السودان إضافة إلى دعم العالم أجمع، ومنحت النظام شرعية مكتسبة وفرصة البداية من جديد. ولكن ما حدث هو أن تلك الفرصة ضاعت ومعها وحدة البلاد، وأصبحت البلاد على حافة الهاوية مع عودة الحرب ومعها شبح العزلة الدولية والانهيار الاقتصادي، ووصل النظام إلى درجة من اليأس أصبح يستجدي فيها بقاءه من إسرائيل.
كل الدلائل تشير إلى أن مرحلة المراجعة قد فاتت الآن، ولم يعد بد من المحاسبة. ونحن لا نعني هنا محاسبة وزير الخارجية السابق لما ورد على لسانه من كبائر، فالرجل ما كان لينطق بما نطق به من هجر لو لم يكن يستند إلى سند مكين. فالمطلوب محاسبة النظام بكامله ومراجعة المنهج المختل الذي ظل يقود خطاه. لقد كان الخلاف بيننا وبين أهل النظام منذ أول لحظة وحتى الآن هو حول منهجه الذي ظل يستند إلى إمكانية انفراد قلة من الناس بالأمر من دون غالبية الشعب، بل حتى من دون الحركة التي تقلدوا الأمر باسمها. وكنا ولا نزال نرى أنه لا يمكن أن تقوم نهضة أو يحدث استقرار بدون إشراك الشعب بكافة قواه السياسية والاجتماعية في العملية السياسية. وبالمقابل ظل النظام يفوت الفرصة بعد الفرصة من أجل التقدم في هذا الاتجاه، بل ظل ينتكس باستمرار في اتجاه تضييق حلقة أهل القرار، حتى في داخل الحزب الحاكم.
من هنا فإن معالجة الانحرافات الآخذ بعضها برقاب بعض، وما نراه من إدمان للفشل، لا يتأتى إلا بمعالجة جذرية لأسباب الفشل. فلن يكفي الصياح حول التآمر الأجنبي وغير ذلك دون التساؤل عما إذا كانت الحكومة الحالية مؤهلة للدفاع عن الوطن والتصدي للتحديات الكبرى التي تواجهه. فادعاء النظام بأنه يدافع عن الإسلام أو حتى عن الأغلبية في شمال السودان يقدح فيه حقيقة أن قادته يدافعون عن مواقعهم ومكاسبهم في الأساس، وبالتالي يخاطرون بتحويل القضايا الوطنية الكبرى إلى أدوات في صراعاتهم الشخصية على حساب الوطن والدين. وبالتالي فإن بقاء النظام بتركيبته وسياساته الحالية يبقى أكبر تهديد لوحدة الوطن وسلامته واستقراره وهويته. وما لم يقع التحول الجذري المطلوب عاجلاً، طوعاً أو كرهاً، فإن العواقب ستكون وخيمة على النظام وقادته مثلما ستكون على الوطن ككل.

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 921


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


د. عبد الوهاب الأفندي
د. عبد الوهاب الأفندي

تقييم
8.00/10 (1 صوت)

Preview on Feedage: -%D8%B4%D8%A8%D9%83%D8%A9-%D8%A8%D8%B1%D8%A8%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%83%D8%AA%D8%A8%D8%A7%D8%AA- Add to My Yahoo! Add to Google! Add to AOL! Add to MSN
Subscribe in NewsGator Online Add to Netvibes Subscribe in Pakeflakes Subscribe in Bloglines Add to Alesti RSS Reader
Add to Feedage.com Groups Add to Windows Live iPing-it Add to Feedage RSS Alerts Add To Fwicki
Add to Spoken to You

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Free counter and web stats

brbrnet.net