BRBRNET

جديد الأخبار
جديد المكتبات
جديد الملفات
جديد الصور

الصحف السودانية
الأهرام اليومالصحافةالوطن أخبار اليومالأيامأخر لحظة الرأي العامالإنتباهةقوونالصدى
 

جديد الصور

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

ليلة المولد
01-03-2011 10:16 AM

حمداً لله وشكراً على نعمائه.. ان اهل السودان من أكثر الأمم التي تحب النبي محمداً صلى الله عليه وسلم.. ومن أكثر الامم الإسلامية التي تصلي عليه.. فنجد الإنسان إذا نسى شيئاً يقول: (اللهم صل على وسلم على سيدنا محمد) والمرأة إذا أرادت ان تبدي اعجابها بشئ تقول: (صلاتي على النبي).. والاهل اذا خافوا العين يقولون: الصلاة على النبي.. ومنا من يقسم بالنبي صلى الله عليه وسلم.. مع علمه بأن القسم لا يكون الا بالله.. ولكن حبه للنبي صلى الله عليه وسلم يسبق على قلبه فينطلق لسانه بالقسم.. والله عليم بالنوايا.. نسأله المغفرة...
هذا الحب كان مقروناً بشئ من الجهل القديم.. فكثيراً ما كنا نسمع عند اهلنا ببربر من يقول (انا حاجي النبي) وكنا نسمع ونحن صغار في بربر ونردد مع القائلين (حاج ام قلة).. والقلة.. بضم القاف.. هي اناء فخاري صغير.. يقوم مقام الزير في حفظ كمية قليلة من الماء وتبريدها.. وهم هنا يشبهون القبة على مقام النبي صلى الله عليه وسلم بالقلة.. وفي المدائح النبوية تجدهم يتشوقون إلى (أم قلة).. يعنون بها المسجد النبوي.. هذا الحب جعل اهل السودان عامة يحتفلون بليلة (المولد) احتفالاً كبيراً .. وكنا في بربر.. ونحن صغار نعيش هذه الفرحة.. ونهئ لها انفسنا.. ونعد لها ليس الأيام.. ولكن الشهور قبلها.. نسعد كثيراً عندما نرى ادوات تشييد الخيام (الصيوانات).. ولا أقول السرادق.. تنقل إلى ساحة المولد.. التي تقع شمال جامع بربر الكبير.. وجنوب سوق بربر الكبير الذي تحدثنا عنه في حلقات سابقة.. نتابع نصب الصيوانات في الايام السابقة لبداية شهر ربيع الأول... كأنما لنطمئن ان احتفالات المولد ستبدأ من أول يوم.. وبذلك لن نفقد يوماً... وتجئ بداية المولد (بالزفة).. وهي موكب جميل يبدأ الناس في التحرك إليه منذ الظهر.. لينعقد اجتماعهم امام مبنى مركز بربر.. ويتحرك الركب وعلى رأسه ممثل للحكوة يمتطي حصاناً (المأمور.. أو نائبه).. ويسير خلفه الموكب بقيادة الشريف (المجمر).. وهو يرتيد زي العلماء ورجال الدين (العمامة .. والقفطان والفرجية والحزام).. وهو على صهوة حصانةه.. وخلفه العم ابن إدريس حاج العباس.. وهو يلبس زياً اخضر اللون.. ويمتطي حصاناً.. وبيده سوط يلوح به.. ويضع على عينيه نظارة سوداء.. وهو رجل فيه كثير من دروشة.. ووالدته (الحاجة مكة).. مشهود لها بالصلاح.. يأتي بعدهم هيئات الطرق الصوفية.. ومنهم من يدقون على الطبول.. ومن يذكرون وهم سائرون.. كل بطريقته.. نرى حسن عيسى الدرويش.. قصير القامة.. وهو يضرب على نوبته متراقصاً في بهجة مبهجة.. يتبعهم كرنفان اصحاب الحرف على سطوح عربات (الكارو) التي تجرها الخيول.. فتجد الخياطين يضعون ماكينات الخياطة على الكارو.. مثلاً.. ويجلس الخياط على كرسي وهو يعمل على ماكينته.. وحوله بعض الخياطين الذين يصيح بعضهم (العز لمين؟!) فيرد آخرون (للخياطين).. وتسير خلفهم عربة الجزارين.. وهو يضعون (قرمة) ـ كتلة من الخشب تستعمل لتكسير اللحم والعظام... وينادون: (العز لمين؟!!) ويجيبون للجزارين!! ثم عربة النجارين وينسبون العز لهم.. وهكذا.
يبدأ الموكب من امام المركز.. ويسير حتى آخر حي الدكة.. ويعود من الطرق الاخرى حتى يصل ميدان المولد.. وهنا يخرج الأعمام عثمان كلمون.. وعثمان الغبوش منشدين في صوت رخيم.. قصيدة تقول: (ولد الحبيب ومثله لا يولد) ثم ترفع الراية على (الصاري) المنصوب في منتصف الميدان معلنة بداية الاحتفالات.. وتعلو (الصاري) فهي ترى من بعيد وفي وسط السارية حلقة خشبية تعلق عليها (لمبات البتروماكس) الرتاين أو الكهارب كما يسمونها.
تنصب الصيوانات في صفين متقابلين امام الجامع الكبير.. يبدأ الصف الغربي بصيوان ـ او دعنا نسميه كما كنا نقول ـ خيمة الختمية.. وكبير خلفائهم كان المرحوم جعفر حنين (ضم الحاء) ولكنهم كانوا يكسرونها.. وكانت خيمتهم اكبر وانشط خيمة.. فعلى ايامنا كان التنافس حاداً بين الختمية والانصار.. طائفياً وسياسياً.. وكانت لهم مدائح واذكار تمجد السادة الختمية وعلى رأسهم السيد علي الميرغني.. وتدعو على اعدائهم.. (واشغل اعدائي بأنفسهم).. وكانت تعجبني وأنا صغير عبارة يرددونها في آخر الليلة (يالله بها.. يا الله بها.. ياربي حسن الخاتمة).. وما زلت ارى منظر احمد يعقوب (المعلن بمحاكم بربر)... والقادم إلى البلد من حلفا.. وهو ينشد بصوت عذب رخيم (أهلاً وسهلاً يا منى) بكسر الميم.. ويقوم الذاكرون بممارسة حركات معينة يدربهم عليها.. وبعد خيمة الختمية.. في الصف الغربي تأتي خيمة التيجانية.. واذكارهم هادئة.. يؤدون أورادهم غالباً وهم جلوس.. وعلى رأسهم الجد مصطفى ابوقصيصة.. والعم صالح ثابت والعم إبراهيم أبوالقاسم وبابكر مليح وغيرهم.. يأتي بعدهم موقع القادرية.. وهم لا ينصبون صيواناً.. ولكنهم يحيطون موقعهم بما كنا نسميه (بوارق) جمع بيرق ـ وهي رايات خضراء ترفرف على سواري تحيط بالمكان.. وفي الوسط ساريتان توضع بينهما النوبات.. ويبدأ الذكر هادئاً وهم يرددون (الحوقلو) كما نسمعها منهم (الحوقلو ـ إله الا الله) وعندما كبرنا عرفنا انهم يقصدون (الحق.. الحوق.. ولا.. لو) ثم يشتد الذكر ..( فيطرقون النوبة طرقاً.. فتئن.. وترن) ويواصلون اذكارهم حتى منتصف الليل أو انقص منه قليلاً..ورئيسهم يسمى المقدم .. ومن الحصان والمقدم مرحوم من الدكة ايضاً.. وعندما يشتد الذكر يقف احدهم.. ويأتي بكلام غير مفهوم يسمونه (الترجمة) ويقولون انها لغة (سريالية)... يأتي بها الذاكر عندما ينجذب.. ويتصل بالعالم الآخر.. وفي بداية الصف الشرقي من الناحية الجنوبية في مقابل خيمة الختمية.. تقوم خيمة الاحمدية.. ولي معها ذكريات جميلة.. فقد كنت على صلة حميمة بهذا البيت ورثتها عن جدي لابي.. وقد كتبت عن هذه الصلة سابقاً.. وكنت متعلقاً من جيلي... بالاخوان عبدالماجد بشير الاحمدي (السفير).. والأخ الحبيب محمد سيد أحمد الاحمدي ـ امد الله في أيامهما.. والاخوان عبدالماجد محمد ..وعبدالماجد عبدالرحيم، وكنت احس بالصلاح على جبين والده عم عبدالرحيم.. والتمس منه البركة.. وكانت خيمة الاحمدية محل وجودي الدائم.. وكنت معجباً بمادحهم العم الطيب حبيب الله.. وعندما كبرت سجلت مدائحه على (حلقة) شريط تسجيل مدته ثلاث ساعات ـ قبل ظهور الكاسيت.. واسفت جداً لما فقدتها في ما بعد .. تلي خيمة الاحمدية إلى الشمال خيمة السمانية وعلى رأسها العم محمد أحمد نسيم وأبناؤه الطيب وإبراهيم.. وكانت تجذبنا إلى خيمتهم غلاية شاي في شكل مسجد.. وتطلق صفارة عندما يغلي الماء.. ثم خيمة الكنتية وعلى رأسها آل الشكلي وآل الوقيع.. وعلى شمالها خيمة الانصار.. وقائدهم في بربر الجد محمد العبد وكيل الإمام عبدالرحمن المهدي ومن بعده تسلم الوكالة ابن اخيه عبدالله عباس العبد.. المشهور باسم (عوض).. وشمال هذه الخيمة.. موقع (البدوية) اتباع السيد احمد البدوي.. والموقع محاط (بعروق) من خشب.. ملبسة بقماش ابيض لتحصر الموقع.. وكان لهم منشدون حسنو الاصوات منهم المنشد دفع الله.. وبعض من النقادة.. ولهم طريقة في الذكر خاصة يصدر من حناجرهم وافواههم.. ونعلق على كل واحد وحركاته ومنهم العم عبدالله عبداللطيف (وش المهدية).. هكذا يلقبونه.. وهو رجل صبوح.. له لحية دائرة.. ووجه مريح ويبدو من لقبه ان له علاقة بالأنصار.. ولكني كنت اراه مع البدوية وذكرهم.. رغم انه صار مؤذناً لجامع الانصار بعد بنائه.. وافتتاحه بحضور السيد عبدالرحمن المهدي شخصياً لبربر.. وعبدالله (وش المهدية) هو خال حسن يحيى مؤذن الجامع الكبير حالياً.. وله صوت جهور.. يقدم لآذان الفجر بالأبيات التي تقول :
يامن إليه المشتكى والمرجع... أنت المعد لكل ما يتوقع
وبين صفي الخيام... نجد موقعاً يسمى (خيمة الحكومة) امام الجامع الكبير من الجهة الشمالية.. مفروش بالسجاد وكراسي الجلوس.. يضاء بعدد من (الرتاين) البتروماكس يؤمه يومياً القاضي الشرعي وبعض الموظفين.. يتلو فيه بعض قارئ القرآن.. ويزوره في الليلة الأخيرة مفتش المركز.. وهو أعلى سلطة في البلد أو من يقوم مقامه.. ولجنة المولد.. ويقام فيه حفل خطابي تقدم فيه الكلمات الخاصة بالمناسبة.. والقصائد الشعرية وبعض القصائد الصوفية.. والمدائح.
في نهاية مواقع هذه الصيوانات .. وفي الجهة الشمالية نجد (ترابيز) الحلاوة .. أو (حلاوة المولد) كما كنا نسميها.. وهي الواح بيضاء مطعمة بالسمسم ونسميها ـ كما اليوم ـ سمسمية.. واخرى مطعمة بالحمص ونسميها (حمصية) أو حلاوة (كبكبيق).. او بالفول ونسمها (فولية) وتباع بالرطل.. كما هو اليوم وحلاوة اصابع (اللكوم) المعبأة داخل علب كرتون ـ وتفلت لتباع بالاصبع الواحد.. تسهيلاً للمشترين.. والحلاوة (الدربس) المعبأة في علب الصفيح الاسطوانية وتباع (بالحبة).. وكذلك حلاوة (النعناع).. المعبأة في علب الصفيح وفي الداخل تجدها في شكل (صوابع) من قصدير مغلفة بغلاف ورقي اخضر.. داخل كل صباع عشر حبات من النعناع.. وكل هذه الحلويات كانت تستورد من مصر ـ فلم تكن في السودان صناعة محلية.. ولم تكن بالمولد في بربر حلويات العرائس الحمراء المزينة باوراق الزينة.. أو الخيول التي يمتطيها الفرسان المدججون بالسلاح التي نراها اليوم ومن اصحاب محلات الحلاوة العم الطيب مختار والعم (ودخالد) وكان جزاراً.. واشتهر بود خالد رغم ان اسمه خالد احمد ابراهيم.. وخارج ساحة الطرق الصوفية.. وعلى الجانب الغربي يوجد (سوق الزلعة) حيث تجد باعة المأكولات والمشروبات.. فهذا يبيع العصائر.. وذاك يبيع (الطاعمية) واخر يبيع (اللقيمات) والعم صالح ابوعمر يبيع حلويات من صنعه.. وكذلك (البالوظة).. وآخر يبيع (الترمس).. وغيره يبيع (النبق).. ومن يبيع (التمر والعجوة) أو التسالي ونسميه (الجرم) بضم الجيم والراء.. ومن يبيع (الكوارع).. وغير ذلك.
ومن العادات التي يمارسها الصبية في المولد.. ان ينتهز احدهم اشتغالك بالتطلع إلى حلقات الذكر.. فيخطف طاقيتك من على رأسك.. ويولي هارباً بين الجموع.. فلا تعرف من هو؟؟ ولا إلى اين ذهب.. وتسلم أمرك لله.. وتتعرض إلى التوبيخ من أهلك على اهمالك.. أو ان ينتهز نفس الفرصة فيوقع على ظهرك خبطة أو خبطتين من سوط بيده ويولي هارباً... (فتأكلها.. وتسكت).. ومن الذكريات التي تعيش في نفسي.. وتحز فيها.. انني مارست ذلك وأنا طالب في أولى وسطى مع احد اساتذتي الذين احبهم.. واقدرهم.. ويتعامل معي بكثير من الود لعلاقة مع بعض افراد اسرتي.. فقد وجدته بالمولد مشغولاً بالتطلع إلى الذكر.. وكان بيدي سوط صغير لا استعمله.. ولكني أحمله حماية لنفسي.. فجاء في خاطري ان الفته لأسلم عليه.. فخبطت على ظهره بالسوط خبطة حفيفة.. فالتفت واندهش لما رآني.. ولكن مددت يدي فصافحني ولم يقل شيئاً.. ولم يسألني بعدها.. ولم تتغير معاملته معي.. وقد كانت مثل هذه الفعلة في ذلك الوقت تعد خروجاً عن الأدب.. تؤدي إلى الجلد والفصل من الدراسة.. ولو كان عاقبني أو انبني.. لكان ازاح عن صدري ثقل حمل مداعبتي له.. حتى اليوم.. رحم الله استاذي.. رحمة واسعة.. وعفا عني.. وعن طفولتي.
موقع المولد الحالي ببربر.. اصبح موقعاً اثرياً.. وقد حاولت السلطات مرة نقله إلى الميدان الواقع شمال المدرسة الاميرية الوسطى القديمة فهو اكثر سعة.. فشبت معارضة من الطرق الصوفية والاهالي... ابقت عليه في محله.. فهو موقع قد ألفه حتى الناس الذين يقدمون من القرى القريبة لمشاهدة ليالي المولد الشريف... و....


بقلم: عبدالعزيز جبورة

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1266


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


تقييم
2.41/10 (21 صوت)

Preview on Feedage: -%D8%B4%D8%A8%D9%83%D8%A9-%D8%A8%D8%B1%D8%A8%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%83%D8%AA%D8%A8%D8%A7%D8%AA- Add to My Yahoo! Add to Google! Add to AOL! Add to MSN
Subscribe in NewsGator Online Add to Netvibes Subscribe in Pakeflakes Subscribe in Bloglines Add to Alesti RSS Reader
Add to Feedage.com Groups Add to Windows Live iPing-it Add to Feedage RSS Alerts Add To Fwicki
Add to Spoken to You

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Free counter and web stats

brbrnet.net